دليل المستثمر الأجنبي للبدء في السعودية: خطوات قانونية أساسية
يشهد السوق السعودي اليوم طفرة استثمارية غير مسبوقة في إطار رؤية 2030، مما جعل المملكة العربية السعودية وجهة استثمارية من الأولى عالميًا. فإذا كنت مستثمرًا أجنبيًا وتفكر في البدء في السعودية، فأنت أمام فرصة واعدة، لكنها في الوقت ذاته تستلزم فهمًا دقيقًا للإطار القانوني الناظم للاستثمار الأجنبي. فمع صدور نظام الاستثمار الجديد بالمرسوم الملكي رقم (م/19) وتاريخ 16/1/1446هـ، تغيّرت كثير من القواعد والشروط والحقوق التي كانت سارية من قبل، وأصبح حقوق المستثمر الأجنبي في السعودية أوسع وأكثر شمولًا مما كانت عليه. في هذا الدليل نأخذك خطوة بخطوة من البداية حتى تأسيس شركتك بصورة قانونية سليمة، كما نستعرض شروط المستثمر الأجنبي في السعودية والمميزات التي يتمتع بها وكيف يجب أن يكون رأس المال في استثمارك.
لماذا السعودية بيئة جاذبة للاستثمار الأجنبي؟
ارتكزت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة على جملة من الإصلاحات الجوهرية لخلق بيئة استثمارية تنافسية تجذب الاستثمارات الدولية. فنظام الاستثمار الجديد 1446هـ أقرّ مبدأ المعاملة المماثلة بين المستثمر المحلي والأجنبي، كما أكّد على أن الاستثمار حرية أصيلة ولا يجوز تقييدها إلا في الأنشطة المحددة في قائمة الأنشطة المستثناة التي تنشرها وزارة الاستثمار. كما أن المملكة وفّرت حوافز استثمارية متعددة، من أبرزها الإعفاء الضريبي لبعض القطاعات الاستراتيجية كالصناعات التحويلية والتكنولوجيا والطاقة المتجددة، فضلًا عن وجود اتفاقيات منع الازدواجية الضريبية مع أكثر من 50 دولة. كما أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر شهدت نمًا كبيرًا، وهو ما يعكس ثقة المجتمع الدولي بالسوق السعودي كوجهة استثمارية متميزة.
الأشكال القانونية المتاحة للمستثمر الأجنبي
شركة مملوكة 100%
يتيح نظام الاستثمار الجديد للمستثمر الأجنبي تأسيس شركة مملوكة له بنسبة 100% دون الحاجة لوجود شريك سعودي، وذلك في معظم القطاعات المسموح بها للاستثمار الأجنبي. وهذا الخيار يمنح المستثمر استقلالية تامة في الإدارة والتصرف والقرارات الاستراتيجية، كما أنه يتمتع بكل الحوافز والإعفاءات المتاحة للشركات السعودية. غير أن الحد الأدنى لرأس المال يتفاوت حسب طبيعة النشاط، فالأنشطة التجارية والخدمية لا يقل فيها رأس المال عن 100 ألف ريال سعودي، بينما تستلزم الأنشطة الصناعية حدًا أدنى يصل إلى 5 ملايين ريال سعودي. والجدير بالذكر أن بعض القطاعات الاستراتيجية كالإعلام والقطاعات الأمنية لا تزال مقيدة ولا يجوز فيها تملك أجنبي 100%.
شركة بشريك سعودي
أما الخيار الثاني فهو تأسيس شركة مع شريك سعودي، وهو خيار كثيرًا ما يلجأ إليه المستثمر الأجنبي في القطاعات التي يشترط فيها وجود شريك سعودي أو فيما يخص القطاعات التي تمنح فيها الشراكة السعودية مزايا إضافية كالوصول لعقود حكومية وجهات حكومية متخصصة. غير أن هذا الخيار يستلزم صياغة عقد تأسيس دقيق يحدد فيه بوضوح حقوق والتزامات كل شريك ونسب الأرباح والخسائر وآليات نقل الحصص وحل النزاعات، وإلا فإن الغموض في هذه البنود قد يؤدي لخلافات قانونية مكلفة لاحقًا. كما أن المستثمر الأجنبي يخضع في هذه الحالة لضريبة الدخل بنسبة 20% على حصته فقط، بينما يخضع الشريك السعودي للزكاة بنسبة 2.5% على حصته.
فرع شركة أجنبية
أما الخيار الثالث فهو فتح فرع للشركة الأجنبية في السعودية دون تأسيس شركة جديدة، وهو خيار يناسب الشركات الأجنبية الكبيرة التي تسعى لتوسيع نشاطها في المملكة. فالفرع يعمل تحت اسم الشركة الأم ويخضع لكل الأنظمة السعودية، كما يشترط الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الاستثمار، وأن يكون نشاط الشركة الأم متوافقًا مع الأنشطة المسموح بها. والفرع يحتاج لتعيين ممثل قانوني في المملكة يكون صاحب الصلاحية في التصرف نيابة عن الشركة الأم أمام الجهات الحكومية.
التراخيص والمتطلبات القانونية
ترخيص وزارة الاستثمار
هو أول خطوة قانونية يجب أن يتخذها المستثمر الأجنبي قبل أي إجراء آخر، فالنظام الجديد أوجب على كل مستثمر أجنبي التسجيل لدى وزارة الاستثمار (MISA) قبل البدء بأي استثمار مباشر في المملكة. والمستندات المطلوبة تشمل السجل التجاري للشركة في بلدها الأصلي مصدقًا من السفارة السعودية والقوائم المالية للسنة الأخيرة وقرار الشركاء بالاستثمار في المملكة. كما أن نظام الاستثمار أكّد أنه إذا مضت مدة ثلاثون يومًا من استيفاء المستندات ولم تبت وزارة الاستثمار في الطلب فيُعدّ الطلب مقبولًا تلقائيًا، وهذا يعني أن المستثمر الأجنبي يتمتع بضمان قانوني صريح ضد التأخر غير المبرر في الموافقة.
السجل التجاري
بعد الحصول على الترخيص الاستثماري من وزارة الاستثمار يتقدم المستثمر لوزارة التجارة للحصول على السجل التجاري الذي هو الوثيقة الرسمية التي تثبت وجود الشركة وتخولها ممارسة نشاطها التجاري. والسجل التجاري يجب أن يتضمن بيانات الشركة والنشاط التجاري والشركاء ورأس المال وعنوان الشركة، كما أنه يجب أن يكون متوافقًا مع الأنشطة التي تمارسها الشركة فعليًا فالإدراج غير الصحيح للأنشطة قد يعرّض الشركة لعقوبات قانونية.
التراخيص القطاعية
في حال كان النشاط التجاري يستلزم ترخيصًا من جهة حكومية متخصصة كالبنك المركزي السعودي (SAMA) للخدمات المالية أو هيئة الغذاء والدواء للأدوية والمستلزمات الطبية أو وزارة الصحة للمنشآت الصحية فيجب الحصول عليه قبل البدء بممارسة النشاط. والإخلال بهذا الشرط قد يؤدي لإيقاف النشاط وفرض غرامات مالية صارمة، كما أن بعض القطاعات تستلزم أيضًا ترخيصًا من هيئة السوق المالية إذا كانت الشركة تسعى للطرح العام في السوق المالية السعودية.
أخطاء قانونية يقع فيها المستثمر الأجنبي
الاعتماد على نماذج جاهزة
يلجأ كثير من المستثمرين الأجانب للاعتماد على نماذج عقود جاهزة وجدوها على الإنترنت أو حصلوا عليها من طرف آخر، وهو خطأ كبير قد يكلفهم كثيرًا لاحقًا. فكل شركة لها خصوصيتها من حيث نوع النشاط والشركاء ورأس المال والطموحات المستقبلية وكل هذه العوامل تؤثر في صياغة العقود والاتفاقيات. فعقد التأسيس مثلًا يجب أن يتضمن بنودًا تحدد كيفية نقل الحصص والأرباح والخسائر وآليات حل النزاعات وصلاحيات كل شريك، وكل حاجة تُغفل فيه تصبح مصدر خلاف وإشكالية قانونية لاحقًا.
تجاهل الأنظمة المحلية
كثيرًا ما يأتي المستثمر الأجنبي وهو يحمل معه أساليب العمل والقواعد التي كان يطبقها في بلده الأصلي، دون أن يدرك أن البيئة القانونية في السعودية مختلفة كليًا. فنظام العمل السعودي له شروطه الخاصة في حالات إنهاء العقود والإجازات والتأمينات الاجتماعية والتوطين وفق نظام نطاقات، كما أن نظام مكافحة التستر التجاري صارم جدًا وعقوباته شديدة. والإخلال بأي من هذه الأنظمة قد يعرّض المستثمر للغرامات المالية وحل الشركة وحتى المساءلة الجنائية في بعض الحالات.
دور المحامي في حماية الاستثمار الأجنبي
يُعدّ المحامي المتخصص في الاستثمار الأجنبي من أهم الأطراف التي يجب أن يستعين بها المستثمر الأجنبي من البداية وليس بعد نشوء أي مشكلة. فدوره لا يقتصر على مجرد صياغة العقود والوثائق القانونية، بل يشمل فهم الإطار القانوني الكامل والإرشاد حول اختيار الشكل القانوني الأنسب والنشاط المسموح به والتراخيص المطلوبة والالتزامات الضريبية والعمالية. كما أن المحامي يساعد في حماية استثمار المستثمر الأجنبي من خلال ضمان الامتثال الكامل لكل الأنظمة والقواعد القانونية المعمول بها، كما يكون الجهة التي يلجأ إليها المستثمر في حال نشوء أي نزاع مع شريك أو جهة حكومية أو طرف آخر.
أسئلة شائعة من المستثمرين الأجانب
هل يمكن للأجنبي تملك شركة 100%؟
نعم، يجوز للمستثمر الأجنبي تملك شركة بنسبة 100% في معظم القطاعات المسموح بها وفقًا لنظام الاستثمار الجديد 1446هـ، وذلك شريطة أن يكون النشاط ضمن الأنشطة المسموح بها للمستثمر الأجنبي ولا يكون ضمن قائمة الأنشطة المستثناة التي تنشرها وزارة الاستثمار. غير أن بعض القطاعات الاستراتيجية كالإعلام والأمن والقطاعات المرتبطة بالدفاع الوطني تزال مقيدة ولا يجوز فيها تملك أجنبي كامل.
كم تستغرق إجراءات الترخيص؟
حدّد نظام الاستثمار الجديد أن وزارة الاستثمار ملزمة بالبت في طلب الترخيص خلال ثلاثون يومًا من استيفاء المستندات المطلوبة، وإذا لم تبت في الطلب خلال هذه المدة فيُعدّ الطلب مقبولًا تلقائيًا. غير أن الإجراءات الكاملة من تقديم الطلب حتى استخراج السجل التجاري والتراخيص القطاعية قد تستغرق من شهر إلى ثلاثة أشهر حسب طبيعة النشاط والمستندات المطلوبة.
هل الاستثمار الأجنبي خاضع للضرائب؟
نعم، تخضع الشركات الأجنبية والشركات المملوكة جزئيًا لمستثمرين أجانب لضريبة الدخل بنسبة 20% على صافي الأرباح المحققة داخل المملكة، وذلك وفقًا لنظام ضريبة الدخل السعودي. كما تخضع كل الشركات المسجلة في المملكة لضريبة القيمة المضافة بنسبة 15% إذا تجاوزت إيراداتها السنوية 375,000 ريال سعودي. وفي حال وجود شريك سعودي فيجب الفصل بين حصة المستثمر الأجنبي الخاضعة لضريبة الدخل وحصة الشريك السعودي الخاضعة للزكاة بنسبة 2.5%. كما أن المملكة وفّرت حوافز ضريبية متعددة كإعفاء بعض القطاعات الاستراتيجية وترحيل الخسائر للأمام واتفاقيات منع الازدواجية الضريبية مع أكثر من 50 دولة.
هل أحتاج مستشار قانوني دائم؟
نعم، يُنصح بشدة أن يستعين المستثمر الأجنبي بمستشار قانوني متخصص، وليس فقط في مرحلة التأسيس بل في كل مراحل الاستثمار. فالبيئة القانونية والتنظيمية في السعودية تشهد تحديثات مستمرة خاصة في نظام الاستثمار ونظام العمل والأنظمة الضريبية، والإخلال بأي من هذه التحديثات قد يعرّض الشركة لعقوبات صارمة. كما أن المستشار القانوني يساعد في إدارة العقود والنزاعات والتعامل مع الجهات الحكومية والحفاظ على الامتثال الكامل للأنظمة القانونية.
