أبرز التعديلات الحديثة في نظام الشركات السعودي

أبرز التعديلات الحديثة في نظام الشركات السعودي

شهد نظام الشركات السعودي خلال السنوات الأخيرة تحولات جوهرية أعادت رسم خارطة البيئة القانونية للأعمال في المملكة العربية السعودية. فمع صدور نظام الشركات الجديد بالمرسوم الملكي رقم (م/132) وتاريخ 1/12/1443هـ، أصبحت الشركات في النظام السعودي تخضع لإطار قانوني أكثر شمولًا ومرونة، كما أن الشركات المهنية في السعودية حظيت بتنظيم جديد يحدد شروطها وضوابطها. وفي المقابل، شهدت البيئة الاستثمارية تعديلات متلاحقة في نظام الاستثمار ونظام العمل ونظام مكافحة التستر التجاري، وكل هذه التعديلات مجتمعة تهدف لدعم أهداف رؤية السعودية 2030 وخلق بيئة استثمارية أكثر تنافسية واستقطاب للاستثمارات المحلية والدولية. في هذه المقالة نستعرض أبرز التعديلات التي أثّرت على نظام الشركات والأنظمة المكمّلة له.


كيف أثّر نظام الاستثمار الجديد على المستثمر الأجنبي؟

صدر نظام الاستثمار الجديد بالمرسوم الملكي رقم (م/19) وتاريخ 16/1/1446هـ ليحل محل نظام الاستثمار الأجنبي القديم الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/1) وتاريخ 5/1/1421هـ، وهو تحول جوهري في كيفية تنظيم الاستثمار في المملكة. فالنظام الجديد لم يعد مقتصرًا على المستثمر الأجنبي بل شمل جميع الاستثمارات المباشرة سواء محلية أم أجنبية، مما يعكس رغبة المشرع في خلق إطار تنظيمي موحّد ومحايد. كما أكدت المادة السادسة من النظام الجديد على مبدأ المعاملة المماثلة بين المستثمر المحلي والأجنبي فيما يتعلق باستثماراتهم المباشرة في المملكة، وهو مبدأ كان غائبًا بوضوح في النظام السابق.

وفيما يخص حقوق المستثمر الأجنبي في ظل النظام الجديد، فيتمتع المستثمر بضمانات واضحة، منها: المعاملة المحايدة وغير التمييزية، والحق في نقل الأرباح والعائدات للخارج، والحماية من التأميم أو المصادرة دون تعويض عادل. كما أن النظام حدّد قائمة الأنشطة المستثناة التي تشمل الأنشطة المحظورة والمقيدة على المستثمر الأجنبي، وهي قائمة يمكن الاطلاع عليها لدى وزارة الاستثمار (MISA). والجدير بالذكر أن النظام أوجب على كل مستثمر أجنبي التسجيل لدى وزارة الاستثمار قبل البدء بأي استثمار مباشر في المملكة، وأجاز تعيين ممثل قانوني للقيام بهذا التسجيل نيابة عنه.


نظام المعاملات المدنية: ما الذي تغيّر على أصحاب الشركات؟

جاء نظام المعاملات المدنية السعودي ليوفر إطارًا قانونيًا شاملًا ينظّم العقود والالتزامات والحقوق والتعويضات في السوق السعودي، وهو ما أثّر مباشرة على حقوق والتزامات أصحاب الشركات في التعامل مع العملاء والموردين والشركاء. فالنظام أكّد على أن العقود المبرمة بين أطراف متعددة تسري عليها أحكامه بصورة كاملة، كما أنه نظّم قواعد التعويض عن الأضرار المادية والمعنوية الناجمة عن الإخلال بالالتزامات العقدية.

وما يهم أصحاب الشركات في هذا السياق أن النظام أكّد على حرية التعاقد مع التزام كل طرف بالأحكام والشروط المتفق عليها، كما أنه حدّد قواعد واضحة للتعامل مع العقود غير المنفّذة والاشتراطات الشكلية في إبرام العقود، مما يعني أن كل عقد يجب أن يكون واضحًا ومحدّدًا في بنوده شرطًا لنفاذه. وهذا ما يجعل استعانة أصحاب الشركات بمحامين متخصصين في صياغة العقود أمرًا ضروريًا لا اختياريًا في ظل هذا النظام.


تأثير رؤية السعودية 2030 على البيئة القانونية للاستثمار

لا يمكن فهم حجم التعديلات التي طرأت على نظام الشركات السعودي دون الوقوف عند رؤية 2030، فهي المحرك الأساسي وراء كل هذه الإصلاحات التشريعية. فالرؤية وضعت في أولوياتها بناء اقتصاد متنوع وجاذب للاستثمارات، وكان أول خطوة نحو ذلك إصلاح الإطار القانوني الناظم للشركات والاستثمار. فنظام الشركات الجديد 1443هـ أطلق شكلًا قانونيًا جديدًا هو شركة المساهمة المبسطة التي تناسب الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، كما أنه أجاز تأسيس شركة بإرادة شخص واحد فقط بدلًا من اشتراط وجود شخصين فأكثر كما كان في النظام السابق، وهذا بحد ذاته كان تحولًا كبيرًا في تسهيل عملية التأسيس.

كما أن الرؤية دفعت نحو إنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة التي توفر حوافز استثمارية وإطارًا تنظيميًا مبسطًا يهدف لجذب الاستثمارات الدولية، إضافة إلى إنشاء المركز السعودي للأعمال الذي يوفر خدمات متكاملة لتسهيل إجراءات تأسيس الشركات في كل المراحل. والنتيجة أن البيئة القانونية للاستثمار تحولت من بيئة كانت تُثبط المستثمر إلى بيئة تستقطبه وتشجعه، وذلك بدأ يظهر في النتائج من خلال الارتفاع الكبير في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والذي شهد نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة.

وفيما يخص الشركات المهنية في السعودية فقد أفرد لها نظام الشركات الجديد أحكامًا خاصة تنظّم تأسيسها وإدارتها وانقضائها، وهي الشركات التي يؤسسها أصحاب المهن الحرة كالمحامين والمهندسين والطباء وغيرهم، وذلك في إطار السعي لتحديث كل القطاعات التجارية والخدمية في المملكة.


مستجدات تنظيم التستر التجاري والعقوبات الجديدة

صدر نظام مكافحة التستر الجديد بالمرسوم الملكي رقم (م/4) وتاريخ 1/1/1442هـ ليحل محل النظام القديم الصادر عام 1425هـ، وجاء بعقوبات أكثر صرامة واضحت فيها إرادة المشرع في القضاء على هذه الظاهرة التي كانت تضر بالاقتصاد الوطني. فالتستر التجاري هو كل اتفاق أو ترتيب يُمكّن شخصًا غير سعودي من ممارسة نشاط اقتصادي في المملكة غير مرخص له بممارسته، سواء كان ذلك عن طريق استخدام اسم شخص سعودي أو ترخيصه أو سجله التجاري أو بأي طريقة أخرى.

وحدّد النظام الجديد عقوبات صارمة للمتورطين في التستر التجاري، تشمل السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات، وغرامة مالية تصل إلى خمسة ملايين ريال سعودي، إضافة إلى حل المنشأة محل الجريمة وإلغاء ترخيصها وشطب السجل التجاري للمدان، والمنع من ممارسة أي نشاط اقتصادي تجاري لمدة خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم النهائي. كما أن النظام أوجب استيفاء كل التزامات الزكاة والضرائب والرسوم المترتبة على المنشأة محل الجريمة بالتضامن بين المدانين. والجدير بالذكر أن النظام أتاح إعفاء من ارتكب جريمة التستر من العقوبات إذا توقف عن ارتكاب الجريمة وأبلغ عنها قبل اكتشافها من الجهات المختصة وتعاون معها في كشف المتورطين الآخرين. وهذا يعني أن المستثمرين الأجانب الراغبين في ممارسة نشاطهم في السعودية يجب أن يحرصوا على الحصول على ترخيص استثماري سليم من وزارة الاستثمار بدلًا من اللجوء للتستر التجاري الذي بات يُعرّض أصحابه لعقوبات رادعة.

وفيما يخص الشركات المختلطة في النظام السعودي فيجوز تأسيسها بين شركاء سعوديين وأجانب شريطة أن تستوفي كل الشروط والمتطلبات القانونية المنصوص عليها في نظام الشركات ونظام الاستثمار، وأن تكون الأنشطة التي تمارسها من الأنشطة المسموح بها للمستثمر الأجنبي.


آخر تحديثات نظام العمل وتأثيرها على أصحاب الأعمال

شهد نظام العمل السعودي تعديلات جوهرية دخلت حيز التنفيذ في فبراير 2025، وهي أكبر تعديلات منذ عام 2015، إذ شملت تعديل 38 مادة مع إلغاء 7 مواد وإضافة مادتين جديدتين. وجاء هذا التعديل استنادًا إلى المرسوم الملكي رقم (44) بتاريخ 8 صفر 1446هـ وقرار مجلس الوزراء رقم (117) الصادر في 2 صفر 1446هـ.

وفيما يخص أثر هذه التعديلات على أصحاب الأعمال فهي كثيرة ومهمة، فأولًا في ما يتعلق بإنهاء العقود غير محددة المدة، فأصبح صاحب العمل ملزمًا بإشعار الموظف قبل 60 يومًا من إنهاء العقد بينما يلزم الموظف بإشعار صاحب العمل قبل 30 يومًا فقط، وهذا يعني أن أصحاب الأعمال يجب أن يكونوا أكثر دقة في إدارة العلاقات العمالية وإنهاء الخدمات. كما حدّدت التعديلات فترة التجربة بحد أقصى 180 يومًا مع إتاحة كلا الطرفين إنهاء العقد خلالها، وهذا يوفر مرونة كبيرة لأصحاب العمل في تقييم الموظف الجديد قبل الالتزام الكامل. وكذلك أضافت التعديلات تعريفًا واضحًا للاستقالة كطلب مكتوب يقدمه العامل لصاحب العمل في عقد محدد المدة، ويلزم صاحب العمل بالرد عليه خلال مدة محددة.

فضلًا عن ذلك، شملت التعديلات تحسينات في الإجازات والتعويضات، كإضافة إجازة أمومة مطوّلة للمرأة العاملة وإجازات جديدة لأصحاب الأعمال ينبغي أن يكونوا على دراية بها. كما أن التعديلات شهدت تحديثًا في نظام التأمينات الاجتماعية، حيث رُفع سن التقاعد إلى 65 عامًا للموظفين الجدد مع زيادة تدريجية في نسبة الاشتراك، وهذا يستلزم من أصحاب الأعمال تحديث أنظمة الرواتب والتصنيفات العمرية للموظفين للامتثال للوائح الجديدة.


الخلاصة

إن التعديلات التي شهدها نظام الشركات والأنظمة المكمّلة له كنظام الاستثمار ونظام العمل ونظام مكافحة التستر تمثل جزءًا لا يتجزأ من مسيرة التحديث التي تشهدها المملكة العربية السعودية في إطار رؤية 2030. وكل من يرغب في تأسيس شركة أو إدارة أعمال قائمة في المملكة يجب أن يكون على دراية كاملة بهذه التعديلات والامتثال لها، فالإخلال بأي منها قد يعرّضه لعقوبات قانونية صارمة. والأفضل دائمًا أن يستعين أصحاب الأعمال والمستثمرون بمحامين متخصصين للتأكد من الامتثال الكامل لكل الأنظمة والتعديلات الحديثة.

شارك المحتوى عبر: