الفرق بين الشركة ذات المسؤولية المحدودة والمساهمة المبسطة
يُعدّ اختيار الشكل القانوني الصحيح للشركة من أهم القرارات التي يواجهها كل مستثمر قبل البدء بتأسيس مشاريعه في المملكة العربية السعودية. فمع التوسع الكبير في أنواع الشركات التي أتاحها نظام الشركات السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/132) وتاريخ 1/12/1443هـ، أصبح من الضروري فهم الفروق الجوهرية بين كل شكل قانوني قبل اتخاذ أي خطوة. وفي هذه المقالة نسلّط الضوء على أنواع الشركات في السعودية بالتفصيل، مع التركيز على الشركة ذات المسؤولية المحدودة والشركة المساهمة المبسطة، وهما الأكثر شيوعًا بين رواد الأعمال والمستثمرين الأجانب في السوق السعودي.
ما هي أنواع الشركات في النظام السعودي؟
حدّد نظام الشركات السعودي الجديد عدة أشكال قانونية للشركات، منها شركة التضامن والتوصية البسيطة والمساهمة والمساهمة المبسطة والشركة ذات المسؤولية المحدودة. وكل شكل قانوني يتميز بخصائصه وفق أنواع الشركات التجارية في السعودية، وهي فعليًا تنقسم لنوعين رئيسيين: شركات الأشخاص التي تعتمد على الثقة والعلاقة بين الشركاء، وشركات الأموال التي تعتمد على حجم المساهمة المالية.
الشركة ذات المسؤولية المحدودة
هي شركة يؤسسها شخص واحد أو أكثر من ذوي الصفة الطبيعية أو الاعتبارية، وتتمتع بذمة مالية مستقلة عن ذمم الشركاء، وتكون مسؤولة وحدها عن ديونها والتزاماتها. ولا يسأل الشريك إلا في حدود حصته في رأس المال، وذلك وفقًا لأحكام نظام الشركات السعودي. كما أن رأس المال يُقسّم إلى حصص وليس أسهمًا، ولا يجوز عرض الحصص للتداول بالطرق التجارية. وحدّد النظام عدد الشركاء في هذا النوع بحد أقصى خمسين شريكًا، وفي حال زيادتهم يجب تحويل الشركة إلى شركة مساهمة. وتُعدّ هذه الشركات الأكثر شيوعًا في السوق السعودي خاصة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة.
الشركة المساهمة المبسطة
هي شكل قانوني جديد أضيف لأول مرة في نظام الشركات السعودي الصادر عام 1443هـ، ولم يكن موجودًا في النظام السابق. وهي شركة يؤسسها شخص واحد أو أكثر من ذوي الصفة الطبيعية أو الاعتبارية، ويقسم رأس مالها إلى أسهم قابلة للتداول. وتتمتع بحرية أكبر في تنظيم الإدارة وآليات اتخاذ القرار في نظامها الأساس، مما يجعلها مناسبة للشركات الناشئة والمشاريع الاستثمارية الحديثة التي تسعى للحصول على تمويل من مستثمرين متعددين. وتكون الشركة وحدها مسؤولة عن الديون والالتزامات المترتبة عليها، ولا يسأل المساهمون إلا بحدود مساهماتهم في رأس المال.
أوجه المقارنة بين النوعين
تتشابه الشركتان في أن كلتيهما تتمتعان بذمة مالية مستقلة، ويمكن تأسيس كل منهما بواسطة شخص واحد طبيعي أو اعتباري، كما أن مسؤولية الشركاء في كلتيهما محدودة بحجم مساهمتهم في رأس المال. غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن رأس المال في الشركة ذات المسؤولية المحدودة يُقسّم إلى حصص غير قابلة للتداول العلني، بينما في المساهمة المبسطة يُقسّم إلى أسهم قابلة للتداول مما يفتح الباب لاستقطاب مستثمرين جدد بسهولة أكبر. كما أن المساهمة المبسطة تمنح مرونة أكبر في هيكل الإدارة وإصدار فئات مختلفة من الأسهم.
الاستثمار الأجنبي: فرع شركة أم شركة مملوكة 100%؟
يواجه كثير من المستثمرين الأجانب الراغبين في دخول السوق السعودي تساؤلًا جوهريًا، هل يفضلون فتح فرع لشركتهم الأجنبية في السعودية أم تأسيس شركة جديدة مملوكة لهم بنسبة 100%؟ والإجابة تعتمد على طبيعة النشاط وحجم الاستثمار والأهداف المستقبلية.
فعند فتح فرع شركة أجنبية في السعودية، يجب الحصول على ترخيص استثماري من وزارة الاستثمار السعودية (MISA)، كما يشترط أن يكون نشاط الشركة الأم غير محظور في المملكة وضمن الأنشطة المسموح بها للأجانب. كما يجب تقديم السجل التجاري للشركة الأم مصدقًا من السفارة السعودية والقوائم المالية للسنة الأخيرة، إضافة إلى تفويض قانوني لممثل الشركة في المملكة. والفرع يعمل تحت اسم الشركة الأم لكن بتنظيم سعودي كامل ويخضع لجميع الأنظمة المحلية.
أما بالنسبة لتأسيس شركة مملوكة بنسبة 100% للمستثمر الأجنبي، فيتيح ذلك استقلالية أكبر في إدارة الشركة والاستفادة من كل الحوافز والإعفاءات المتاحة للشركات السعودية. غير أن الحد الأدنى لرأس المال يجب ألا يقل عن 100 ألف ريال سعودي، ويتفاوت حسب طبيعة النشاط، فالأنشطة الصناعية تستلزم حدًا أدنى يصل إلى 5 ملايين ريال. كما أن بعض القطاعات لا تزال مقيدة ويشترط فيها وجود شريك سعودي أو نسب تملك محددة.
عقد شراكة أم عقد عمل؟ متى تستخدم كل منهما؟
يخلط كثير من أصحاب المشاريع بين مفهوم الشريك والموظف، وهذا الخلط قد يؤدي إلى إشكاليات قانونية كبيرة لاحقًا. فعقد الشراكة هو اتفاق بين طرفين أو أكثر على المساهمة في رأس المال والعمل بهدف تحقيق أرباح مشتركة، ويمنح كل شريك صلاحيات في إدارة الشركة واتخاذ القرارات وفقًا لنسبة حصته. أما عقد العمل فهو علاقة بين صاحب العمل والموظف، يؤدي فيها الموظف نشاطًا محددًا مقابل أجر متفق عليه، ويخضع في ذلك لأحكام نظام العمل السعودي.
فإذا كان الشخص يساهم في رأس المال ويشارك في صنع القرار ويتحمل جزءًا من المخاطر والأرباح، فالعلاقة شراكة. أما إذا كان يؤدي مهمة محددة مقابل أجر ثابت ولا يتحمل أي مخاطر تجارية، فالعلاقة عمل. والخلط بين هذين المفهومين قد يعرّض صاحب العمل لمساءلة قانونية من قِبل وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.
التأسيس في المناطق الاقتصادية الخاصة vs باقي مناطق السعودية
أطلقت المملكة العربية السعودية في إطار رؤية 2030 مجموعة من المناطق الاقتصادية الخاصة (Special Economic Zones) التي توفر حوافز استثمارية وتنظيمية متميزة عن باقي مناطق المملكة. وهذه المناطق تشمل عدة مدن استراتيجية، كمنطقة شمال غرب السعودية التي تركز على اللوجستيات والصناعات الخفيفة، ومنطقة الرياض التي تركز على الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ومنطقة جنوب المملكة التي تركز على الصناعات الثقيلة والطاقة والبتروكيماويات.
والشركات التي تؤسس في المناطق الاقتصادية الخاصة تلتزم بالشكل القانوني لشركة ذات المسؤولية المحدودة وفقًا للوائح التي صدرت لتنظيم هذه المناطق، كما يجوز أن تتألف من شخص واحد فقط. وتتمتع هذه الشركات بحوافز ضريبية وجمركية متميزة، وبنظام عمل أكثر مرونة، وإطار تنظيمي مبسط يهدف لجذب الاستثمارات الدولية. أما الشركات التي تؤسس خارج هذه المناطق فتخضع للنظام العادي لنظام الشركات والأنظمة التجارية المعتادة في المملكة، دون الاستفادة من الحوافز الخاصة.
القضاء التجاري أم التحكيم؟ أيهما أفضل لنزاعات الشركات؟
يُعدّ هذا السؤال من أهم التساؤلات التي يطرحها أصحاب الشركات في السعودية عند التفكير في كيفية حل أي نزاع تجاري قد ينشأ. فالمحاكم التجارية هي الجهات القضائية المختصة بالنظر في النزاعات التجارية وفقًا لنظام المحاكم التجارية السعودي، وتشمل اختصاصها الدعاوى والمخالفات الناشئة عن تطبيق نظام الشركات والإفلاس والملكية الفكرية وكل العقود التجارية والنزاعات بين الشركاء. كما أن المحكمة التجارية تملك صلاحية تنفيذ أحكامها مباشرة دون الحاجة لخطوات إضافية.
أما التحكيم التجاري فهو وسيلة بديلة للقضاء لفض النزاعات التجارية، يعتمد على اتفاق مسبق بين الأطراف على إحالة النزاع لهيئة تحكيم مستقلة للفصل فيه. ويتميز التحكيم بعدة ميزات أهمها السرعة في إصدار الحكم مقارنة بالقضاء العادي، والسرية التامة في المداولات والإجراءات، والمرونة في اختيار المحكمين الذين يتمتعون بخبرة فنية متخصصة، وأن الحكم نهائي وملزم ويُعدّ كأنه صادر عن القضاء. غير أن الحكم غير قابل للطعن بأي طريق إلا من خلال دعوى البطلان وفقًا للحالات التي حددها نظام التحكيم السعودي الصادر بالمرسوم الملكي.
فلو كان النزاع بين شركات دولية أو كان السرية مهمًا، فالتحكيم هو الخيار الأفضل. لكن لو كان الطرف الآخر غير متعاون أو كان القرار القضائي الإلزامي ضرورًا، فالقضاء التجاري هو الخيار الأنسب. والأفضل دائمًا أن يُدرج شرط التحكيم في عقد التأسيس من البداية قبل أي نزاع.
السجل التجاري vs الترخيص الاستثماري: ما الفرق؟
كثيرًا ما يخلط المستثمرون الجدد بين السجل التجاري والترخيص الاستثماري، وهما وثيقتان مختلفتان لكنهما مكمّلتان لبعضهما. فالسجل التجاري هو وثيقة رسمية تصدرها وزارة التجارة تثبت وجود المنشأة التجارية وبياناتها وأنشطتها، وهو إلزامي لكل شركة تمارس نشاطًا تجاريًا في المملكة سواء كانت محلية أو أجنبية. أما الترخيص الاستثماري فهو موافقة رسمية تصدرها وزارة الاستثمار (MISA) تتيح للمستثمر الأجنبي ممارسة نشاط اقتصادي محدد داخل المملكة. والمستثمر الأجنبي يحتاج أولًا للحصول على الترخيص الاستثماري من وزارة الاستثمار ثم يستخرج السجل التجاري من وزارة التجارة.
فالترخيص الاستثماري هو الأساس والبداية للمستثمر الأجنبي، إذ يحتاج فقط لمستندين رئيسيين وهما السجل التجاري للشركة في بلدها الأصلي مصدقًا من السفارة السعودية والقوائم المالية للسنة الأخيرة. بعدها يتقدم لوزارة التجارة للحصول على السجل التجاري الذي يكون الوثيقة الرسمية التي يعتمد عليها في ممارسة كل النشاطات التجارية.
الخلاصة
إن اختيار الشكل القانوني الصحيح والفهم الصحيح لأنواع الشركات في السعودية هو الأساس الذي تبنى عليه أي شركة ناجحة. سواء كنت تفكر في تأسيس شركة ذات مسؤولية محدودة أو شركة مساهمة مبسطة أو فتح فرع شركة أجنبية، فإن كل خيار له مزاياه والتزاماته والحالات التي يناسب فيها كل منها. والأهم أن تفهم أن أنواع الشركات التجارية في السعودية قد شهدت تطورًا كبيرًا في النظام الجديد يهدف لخلق بيئة استثمارية أكثر مرونة وجذب للمستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء. لذلك لا تتردد في الاستعانة بمحامٍ متخصص في تأسيس الشركات قبل اتخاذ أي قرار.
